حبيب الله الهاشمي الخوئي

329

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

وعن محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال : قال أمير المؤمنين عليه السّلام إنّ علامة الرّاغب في ثواب الآخرة زهده في عاجل زهرة الحياة الدّنيا ، أما إنّ زهد الزّاهد في هذه الدّنيا لا ينقصه ممّا قسم اللَّه عزّ وجلّ له فيها وإن زهد ، وإنّ حرص الحريص على عاجل زهرة الدّنيا لا يزيده فيها وإن حرص ، فالمغبون من حرّم حظَّه من الآخرة . إلى غير ما في هذا المعنى من الرّوايات ، وقد عقد في الكافي با بالها ومضى شطر منها في شرح الخطبة الثامنة والعشرين إذا عرفت ذلك فلنذكر اقسام الزّهد . فأقول انّه ينقسم على ما ذكره أبو حامد الغزالي في احياء العلوم ، تارة بالنظر إلى نفسه ، وأخرى بالنّظر إلى المرغوب فيه ، وثالثة بالنّظر إلى المرغوب عنه . اما الأول فهو انّه يتفاوت بحسب الشدّة والضّعف والكمال والنقصان على مراتب ثلاث . المرتبة الأولى وهى السّفلى أن يزهد في الدّنيا وهو لها راغب والقلب إليها مايل ونفسه لها مشتهية ولكنّه يجاهدها ويكفّها وهذا يسمّى المتزّهد . المرتبة الثّانية ترك الدّنيا طوعا لاستحقاره إيّاها بالإضافة إلى ما طمع فيه كالذي يترك درهما لأجل درهمين فانّه لا يشقّ عليه ذلك وإن كان يحتاج إلى انتظار قليل ولكن هذا الزّاهد لا محالة يرى زهده ويلتفت إليه ، ويكون معجبا بنفسه ويزهده ويظن في نفسه أنّه ترك شيئا له قدر لما هو أعظم قدرا منه . المرتبة الثالثة وهي العليا الزّهد طوعا والزّهد في الزهد بأن لا يرى زهده إذ لا يرى أنّه ترك شيئا لمعرفته بأنّ الدنيا لا شيء كمن ترك قذرة وأخذ جوهرة فلا يرى ذلك معاوضة ولا يرى نفسه تاركا شيئا إذا لدنيا بالنّسبة إلى الآخرة أخسّ من قذرة بالنّسبة إلى الجوهرة فهذا هو الكمال في الزّهد وسببه كمال المعرفة . واما الثاني فهو أنّه ينقسم بالنّسبة إلى المرغوب فيه أيضا على ثلاث مراتب . المرتبة الأولى أن يكون المرغوب فيه النّجاة من النّار ومن ساير الآلام